أبو جعفر الإسكافي
255
المعيار والموازنة
الذي لا من شئ كان ، ولا من شئ خلق ما كان . قدرة بان ( 1 ) بها من الأشياء وبانت الأشياء منه . فليست له صفة تنال ، ولا حد تضرب له فيه الأمثال . كل دون صفاته تحبير اللغات ، وضل فيما هنالك تصاريف الصفات ، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير ، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير ، وحال دون غيبه المكنون حجب الغيوب ( 2 ) وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول ( 3 ) . فتبارك الذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن ، وتعالى الذي ليس له وقت معدود ، ولا أجل ممدود ، ولا نعت محدود ( 4 ) . وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ ، ولا غاية منتهى ، ولا آخر يفنى ، سبحانه هو كما وصف نفسه . حد الأشياء كلها عند خلقه إياها إبانة لها من شبهة ، وإبانة له منها ، فلم يحلل فيها فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال [ هو ] منها بائن ، ولم يخل عنها فيقال له : أين ؟ ولكنه سبحانه أحاط بها علمه ، وأتقنها صنعه وأحصاها حفظه ، فلم يعزب عنه
--> ( 1 ) ومثله في كتاب الغارات والكافي . قيل : إنها مبتدأ حذف خبره ، أي له قدرة بان بها من الأشياء . أو إنها خبر حذف مبتدأه ، أي هو قدرة بان بها من الأشياء . وقيل إنها منصوبة على التميز ، أو بنزع الخافض وحذفه ، أي ولكن خلق الأشياء قدرة أو بقدرة . وفي كتاب التوحيد للشيخ الصدوق رحمه الله : " قدرته بان بها من الأشياء . . " . ( 2 ) دون غيبه : قبل الوصول إلى غيبه . ( 3 ) هذا هو الصواب الموافق للمختار : ( 156 و 258 ) من نهج السعادة : ج 1 ، ص 539 ط 1 ، و ، ج 2 ص 348 ط 1 . وفي أصلي : " وتاهت في أداني أدانيها طامحات العقول " . وتاهت : تحيرت . والضمير في " أدانيها " راجع إلى الحجب . وطامحات العقول : أي العقول الطامحة الراقية التي سبقت العقول العادية في جهات الوصول إلى الحقائق . ( 4 ) هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار الأول من نهج البلاغة ، وفي أصلي هاهنا : " بتحديد " .